السبت، 13 أغسطس، 2016

التطبيع مع الكيان الصهيوني بين الإلتزام والإختيار

التطبيع مع الكيان الصهيوني بين الإلتزام والإختيار


" التباين في الأراء والأفعال هو نتاج عن إختلافات في المفاهيم ؛ وغياب المفهوم الإحترافي في التعامل مع المعطيات والمواقف المختلفة .. فبينما كنت أشغل منصبا قياديا بإحدي الشركات الصناعية الكبري ؛ كان لدي (المالك) المستثمر المصري الطموح في تصدير منتجاتنا إلي الأسواق الأوروبية والأمريكية ؛ وكنت منوطا بتحقيق هذا الهدف علي رأس فريق عمل وعندما بدأنا الشروع في إتخاذ الإجراءات القانونية إتضح لنا ضرورة الحصول علي إحدي شهادات الجودة ضمن إشتراطات الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ؛ ولكن من خلال التواصل مع الجهة المانحة فوجئنا أنها قامت بتكليف مراقب ينتمي للكيان الصهيوني لمراجعة إجراءات الجودة بالشركة وتقديم تقريره إلي الجهة المانحة ؛ لا شك انها كانت لحظات عصيبة فإن فكرة التعامل مع أي من أفراد الكيان الصهيوني أمر بالغ الصعوبة من هنا بدأ التعمق في فكرة التطبيع هل هي إختيار أم إلتزام؟".

 الأمر لم يكن لشخص قيادي أمرا إختياريا ولكنه كان إلتزاما مهنيا نحو الشركة التي أتحمل جزءا من مسئولياتها ؛ وإلتزاما نحو مستثمر كان علي ثقة من تحقيق إنجازات مميزة عند تعاقده معي ؛ وإلتزاما تجاه وطني أن يدخل المنتج الذي يحمل عبارة "صنع في مصر" إلي قلب أوروبا والولايات المتحدة ؛ وإلتزاما نحو إحتياج دولة إلي عائد إقتصادي قومي يساهم في تحرير إقتصادها ؛ وإلتزام نحو جموع العاملين بالشركة سيغير هذا التصدير أوضاعهم المعيشية نحو الأفضل .. إن الشركة لم تختر ولم يكن لها الحق في إختيار جنسية المراقب الذي سيراجع إجراءاتها لذا كان يجب التعامل مع الأمر بإحترافية ومهنية بعيدا عن الشعارات الزائفة التي يوما ما حررت شبرا من وطن ؛ وبعيدا عن صغائر الأفعال التي لم تغير يوما واقعا ؛ كان التعامل مع المراقب الصهيوني أمرا بالغ الصعوبة ويقتضي قدرا عاليا من الإحترافية ؛ والإحترافية  تتمثل في إعداد فريق العمل علي نحو جيد من مهارات التواصل وضبط النفس والمهنية ؛ وكان النجاح هو الخيار المطروح أمامنا جميعا فلقد كنا في معركة ؛ وواجبا علينا ألا يسجل تقرير المراقب الصهيوني أن مصنعا مصريا لا يلتزم بمعايير الجودة وإشتراطات السلامة وكان النجاح حليفنا ..

عندما توافق علي تمثيل الدولة او مؤسسة في محفل دولي كالأولمبياد أو غيرها فهذا إختيارك ؛ ومتي بدأت الدولة إعدادك فنيا وبدنيا فإن هذا يمثل عليك إلتزاما ببذل المجهود والسعي الحثيث نحو النجاح ؛ وعندما تأتي القرعة بضرورة نزال لاعب ينتمي للكيان الصهيوني فعليك ألا تتواني أو تتلكأ أو تتعثر خطواتك لأن هذا ليس تطبيعا ولكنه إلتزام نحو دولة راعتك وبطولة وافقت علي التواجد في فعالياتها وجماهير تنتظر نتائج تسعدها وتثلج صدرها ؛ ولكن ما حدث من إسلام الشهابي لاعب الجودو المصري يستوجب تحقيقا يطال أيضا المسئولين عنه لأنهم أساءوا إعداده وتأهيله ؛ فاللاعب لم يستطع تحويل مشاعره الغاضبة إلي طاقة إيجابية للإنتصار ولكنه بات متخاذلا متقهقرا ؛ وأقصي ما أستطاع فعله هو عدم مصافحة لاعب الكيان الصهيوني الذي حدد هدفه بموضوعية وناله بإحترافية وجودة عالية لأن إعداده كان جيدا علي المستوي البدني والنفسي ؛ وفي النهاية تاريخ الأولمبياد لن يسجل أن إسلام لم يصافح غريمه ولكنه سيسجل أن لاعب الكيان الصهيوني هزم اللاعب المصري.
إننا بحاجة إلي تحويل كم مشاعرنا الغاضبة إلي طاقة إيجابية وعزيمة علي تخطي الصعاب والنجاح والتقدم ؛ فلو أننا إنتهجنا هذا النهج من عقود ما كان حالنا علي ما نحن عليه الأن ؛ ولكننا عشنا أسري الشعارات والحرب الحنجورية التي يوما ما قتلت ذبابة ... لم تكن اللجنة المنظمة للأولمبياد لتستدعي الشهابي للتحقيق لو أنه هزم لاعب الكيان الصهيوني ؛ ولكنه قانون الحياة لا كرامة لمنهزم ضعيف منعدم الإرادة إنما الكرامة والقيمة دائما للمنتصر القوي صاحب الإرادة ؛ ربما تكون كلمات قاسية ولكنها واقع الحياة وقانونها التي علمتنا إياه. 


إن للتطبيع شقين أحدهما إلتزامي والأخر إختياري ؛ فالدولة وفقا لإتفاقات السلام المبرمة مع الكيان الصهيوني تلتزم بتبادل السفراء وتأمين البعثات الدبلوماسية كشأن علاقاتها مع كل الدول وعلي الشعب الإختيار بإرادته المطلقة الذهاب من عدمه إلي الأرض المحتلة للسياحة أو الإستشفاء أو التسوق أو إلي ما غير ذلك ؛ كما تلتزم الدولة بتهيئة مناخ الأستثمار لمستثمري الكيان الصهيوني وفقا للقوانين كشأن علاقاتها مع كل الدول وعلي الشعب الإختيار بإرادته المطلقة شراء منتج الكيان الصهيوني أو العمل في مصانعه من عدمه .. وبالتالي التطبيع هو إرادة شعب ؛ وهنا نستطيع الجزم بأن السادات عندما لعب بورقة التطبيع علي طاولة المفاوضات مع الكيان الصهيوني مقابل إستعادة الأرض كان يراهن علي وعي الشعب وأن هذا التطبيع سيظل مقتصرا علي العلاقات الدبلوماسية ولن يكون وفق ما حلمت به إسرائيل ؛ وهذه هي المقاطعة الموجعة وليس عدم المصافحة.


لمزيد من إستيضاح الرؤية تعاقد ممثلين مصريين للعمل في فيلم من إنتاج منتميين إلي الكيان الصهيوني ويتم تصويره داخل الأراضي المحتلة هذا يعتبر تطبيع إختياري صارخ يحمل صفة الإقدام من جانب هؤلاء وضد توجه الشعب المصري ؛ فالممثلان لم يقع عليهما أي إلتزام في الإقدام علي هذا الفعل ولكنهما فعلاه بكامل إرادتهما وضد قرارات النقابة التابعين لها ؛ كما أن الدولة لا تملك حق محاسبتهما علي هذا الفعل إذ أنه لا يوجد في القانون ما يجرم ذلك ؛ ولكن إذا كانت أحداث الفيلم تسئ إلي الدولة المصرية وتحمل رسالة تحريضية فهذا سيستوجب المساءلة القانونية ؛ ولكن الجريمة الضميرية والمهنية في التحرك ضد توجه الشعب المصري وضد قرارات نقابة الممثلين.


أيضا كان لقاء توفيق عكاشة مع السفير الأسرائيلي تطبيعا إختياريا أخر يحمل صفة الإقدام ؛ إذ لم يقع عليه أي إلتزام أو تكليف بإجراء هذا اللقاء ؛ ولم تملك الدولة مسائلته القانونية رغم تحركه ضد إرادة الشعب ؛ وخارج التنسيق مع مجلس النواب الذي كان أحد أعضائه في هذا التوقيت كما إن تحركه كان ضد إرادة ناخبيه ؛ وكان فصله من البرلمان نتيجة تعرضه لأمور خاصة بالسياسة العليا للدولة مع سفير دولة أجنبية دون تكليف ؛ ولكن الجريمة الضميرية والمهنية في التحرك ضد إرادة الشعب المصري ودون التنسيق مع مجلس النواب.

هذا يوضح معني التطبيع ومتي يكون إلتزاما ومتي يكون إختيارا ؛ إن خلط المفاهيم يصنع أبطالا من ورق مثل إسلام الشهابي غير المحترف فكريا ومهنيا (كرياضي) ؛ وعلي النقيض توفيق عكاشة غير المحترف فكريا ومهنيا (كإعلامي ونائب)  ؛ وكذلك الممثلان المصريان اللذان أوهما نفسيهما بأنهما ثوريان ومعارضان وطنيان بينما كان يدرك الشعب حقيقتيهما ؛ فكل هذه النماذج المراهقة فكريا والمعتلة نفسيا والتي لا تمتلك أي قدر من الإحترافية لهي نماذج مسيئة للدولة المصرية ولا تستحق أن تتحمل مسئولية تمثيل الدولة أو إتخاذ مواقف معبرة عن الشعب.  

#تحيا_مصر