الثلاثاء، 6 أكتوبر، 2015

عاملوهم بالعـــــدل لا بالقســــط ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمهم بحجــــر

عاملوهم بالعـــــدل لا بالقســــط
ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمهم بحجــــر


           "يقينا لا يقبل الشك أن الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك سيظل علامة فارقة في تاريخ هذا الوطن ؛ وأن سنوات عمره التي وهبها لوطنه مقاتلا شجاعا وحاكما وطنيا فذا فريدا سينصفها وسيذكرها التاريخ بحروف من نور؛ حتي تلك اللحظة الدرامية التي تنحي فيها عن الحكم وتفويضه للمجلس العسكري بإدارة شئون البلاد ستظل شاهدا علي دهائه السياسي في دحض المؤامرة الكبري التي كانت تستهدف شرق أوسط جديد من خلال نشر الفوضي وتفتيت الأمصار ؛ وستأتي أجيال أخري أكثر أمانة وأعمق موضوعية لتبرهن للعالم ان المؤسسة العسكرية قدمت لهذا الوطن أفضل الزعماء والقادة ؛ والذين كانوا دوما نبراسا للوطنية والفداء وإنكار الذات ؛ ويجب أن يعامل أي رئيس بالعدل لا بالقسط  ؛ ليبقي المعيار الحقيقي للتقييم هو عدم الخيانة أو التأمر علي مقدرات هذا الشعب ؛ ويشهد الله والتاريخ أن أي من حكام هذا البلد لم يكن يوما خائنا أو متأمرا (عدا الجاسوس محمد مرسي الذي تسلل في غفلة من ضمائرنا إلي القصر الرئاسي وعصابته) ؛ وفي نطاق العدل تشفع الحسنات لصاحبها ؛ وفي القسط تطيح السيئات بالحسنات ؛ فمن كان منكم بلا خطيئة فليرمهم  بحجر ."  


لا نظام سياسي بدون أخطاء حقيقة مسلم بها في كل أنظمة الحكم في العالم بما في ذلك المتقدمة منها والأكثر ديمقراطية ؛ نحن فقط في مصر تقودنا أهواؤنا وعواطفنا الشخصية نحو رفع الحاكم إلي عنان السماء متي وافق هوانا متغاضين عن أخطائه وإن كانت جسام ؛ ونغتال الحاكم ونلعن أيامه متي أختلفنا معه علي غير دراية ونصغي بشدة لأعدائنا فيما ينشرونه من شائعات فنمزق أنظمتنا ونهوي ببلادنا إلي غياهب الفوضي ومعترك الدمار؛ وتأخذنا العزة بالأثم ونتمادي في الغي نشوه تاريخنا وزعمائنا ؛ نعم فنحن المتأمرون علي أنفسنا .

تقودنا أهواء البعض منا إلي تقديس الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ؛ والتقديس ليس من مفاهيم التقييم السياسي لفترات الحكم أو للقرارات السياسية ؛ فالحقيقة المجردة المنزهة عن أي هوي أن عبد الناصر كان وسيظل علي مدي التاريخ زعيما سياسيا رائعا ؛ مؤمنا حتي النخاع بالقومية العربية مناضلا من أجلها ؛ زعيما مقاتلا ضد الإستعمار بكافة أشكاله بطول العالم الثالث وعرضه ؛ وستظل أرض مصر شاهدة علي وطنية هذا الرجل بإمتداد إنجازاته من السد العالي وحتي قناة السويس ؛ ونضاله من أجل إقامة عدالة إجتماعية تمنح رخاءا وأمنا حقيقيا للشعب المصري ؛ لكن الحق يصرخ أن عبد الناصر هو المسئول الأول عن هزيمة 1967 والتي لم تكن سوي وليدة لأخطاء سياسية فادحة وهذا بإعترافه ذاته في خطاب التنحي ؛ وغلبة سياسة الشعارات الرنانة والأبواق الفارغة ؛ فلم يكن عبد الناصر وحكومته قادرين يوما علي إلقاء أسرائيل وما وراء أسرائيل في البحر كما أوهم الشعب الذي أستفاق علي النكسة وضياع الأرض وإنهيار الحلم ؛ ولم تكن مظاهرات الشعب عقب 1967 لرفض تنحي عبد الناصر وإنما كانت لرفض الإنكسار وضياع الحلم ؛ فالجيش المصري لم يهزم عسكريا ولكنه كان ضحية الوضع السياسي المترهل آنذاك والقرارات غير المدروسة ؛ وليس أدل علي ذلك من الصراع الذي دار بين عبد الناصر وبين المشير عبد الحكيم عامر عقب الهزيمة ؛ وهذا الفشل يدل أيضا علي سوء الإدارة لبعض الملفات وعدم القدرة علي إتخاذ القرار السليم في الوقت السليم وعدم المتابعة العميقة والمحترفة للمرؤسين والذين عاثوا في البلاد فسادا وأصبحوا مراكزا للقوي ؛ ولأن الناس تتناسي في ظل منظومة العشق التي تغفل الفكر وتتغاضي عن رؤية الحقائق فليس أدل علي سوء الأحوال الداخلية للبلاد في ذلك الوقت من كتم للأفواه وتقييد للحريات ؛ ورغم كل ذلك يبقي جمال عبد الناصر زعيما وطنيا ملهما قدم حياته فداءا لهذا الوطن ؛ كافح أصاب وأخطأ وهو ليس في دائرة التقييم وإنما فترة حكمه وقراراته السياسية يجب أن تكون قيد التقييم الجاد والموضوعي ؛ ويجب أن يعامل بالعدل لا بالقسط ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمه بحجر.   

             
ويظل الرئيس محمد أنور السادات نموذجا فريدا من الرؤوساء الوطنيين ؛ وداهية سياسية أذهلت العالم ؛ بل وكانت صادمة لمن راهنوا علي عدم بقائه  في الحكم أكثر من شهور معدودة وكان علي رأس هؤلاء المتراهنين هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكي ؛ فالسادات أستمر في الحكم لعقد من الزمن بعد أن أطاح بالمتاجرين بأسم عبد الناصر؛ وسيظل في قلب التاريخ ورجالاته أبد الدهر بقرارات سياسية لم يكن يتوقعها أحد ؛ فهو الزعيم المنتصر الذي قضي علي أسطورة الجيش الأسرائيلي الذي لا يقهر ؛ وهو من أعاد الكرامة والعزة للأمة العربية بنصر رائع يدل علي عبقرية فذة ؛ ودهاء سياسي أذهل العالم ؛ فوهب الحياة لأمة كانت في عداد الموتي بلا حراك ذاقت الذل والعار بعد هزيمة1967 لتستفق علي فجر جديد من الفخار واليقين بمؤهلاتها علي تغيير وجه العالم والإيمان بقدراتها في الزود عن مقدراتها وصونها ؛ وهو الزعيم الذي وضع العالم الحر أمام مسئولياته ودوره في أستعادة الأرض العربية المحتلة ؛ والحفاظ علي المقدسات الدينية وعدم طمس الهوية العربية ؛ بل وواجه الشعب الأسرائيلي من داخل الكنيست بحقيقة قياداته وما تتبناه من أحلام التوسع وإحتلال أرض الغير بغير حق ؛ فكسب إحترام العالم وحرر كامل التراب الوطني ؛ ولو ألتف حوله القادة العرب حينها ربما لتغيرت معالم الشرق الأوسط اليوم ؛ وربما كان لدينا معطيات تمنحنا المزيد من القوة في هذا الحراك العالمي ؛ وتبقي إنجازات الرئيس السادات شاهدا علي وطنيته ؛ وعلي سنوات من الكفاح والعطاء منذ كان ضابطا بالجيش المصري إلي أن أصبح في سدة الحكم ؛ لكن قد يكون صادما للكثيرين أن نقول أن ما عانيناه و نعانيه اليوم من إرهاب كان السادات سببا مباشرا فيه عندما أطلق يد الجماعات الدينية المتطرفة وعلي رأسها الأخوان المسلمين في الجامعات والنقابات لدحض ما أسماه بالتيار الشيوعي ؛ وكان قراره الخاطئ مبنيا عن ثقة مفرطة في قدرته في عمل توازونات في الشارع السياسي حتي فقد السيطرة علي هذا التيار المتطرف الذي سيطر علي الإتحادات الطلابية والنقابات والمساجد التي تحولت إلي بؤر للفكر المضلل والأرهاب بل ولم تجد عباراته (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين) التي أستدعاها في الكارثة وغفل عنها من قبل متعمدا ؛ بل أن هذا التيار أحتل مناطق في الدولة عمل فيها علي نشر عوامل الفرقة ودعم الفتنة الطائفية وتمزيق أوصال الوطن ؛ بل أن عدم وجود تواصل محترف للرئيس السادات مع الشعب فيما يختص بالشئون الداخلية كان سببا مباشرا في أحداث يناير 1977 ؛ وربما أيضا الكبر في الإعتراف بأخطاء في السياسة الداخلية وإلقاء المسئولية دائما علي التيارات المعارضة ؛ كان احد أهم الأسباب في توحش هذا التيار الديني المتطرف الذي بلغ مداه في إغتيال الرئيس السادات وما تبعه من أحداث إرهابية في صعيد مصر بل وفي مناطق من القاهرة ذاتها ؛ ورغم هذا سيظل الرئيس محمد أنور السادات بطلا للحرب والسلام ؛ وفي قلب التاريخ رمزا للوطنية والدهاء السياسي ؛ وإن بعض القرارات الخاطئة أو الرؤية غير الصحيحة لبعض من الأمور لا تنفي عنه عظيم إنجازاته ؛ وفي النهاية الرئيس بشر يصيب و يخطئ ؛ ويظل الخطا في نطاق الخطأ الذي هو سمة من سمات الممارسة السياسية ؛ وأن مهمة الرئيس ورجالاته تقليل مساحة الخطأ وتلافي ضرره بالتواصل المحترف ؛ والتبادل الجيد للمعلومات ؛ والدراسة المتأنية للمعطيات ؛ ويبقي شخص الرئيس السادات خارج دائرة التقييم فهو وطني مخلص ؛ و ملحمة رائعة من الكفاح والنضال ؛ وتبقي فقط قراراته قيد التقييم الموضوعي المستنير ؛ ويجب أن يعامل بالعدل لا بالقسط ؛ ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمه بحجر.


ويأبي التاريخ قبل أن يطوي صفحات هذه الحقبة إلا أن يبرز أسم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك فيختصه لأن يكون أول وأخر رئيس لجمهورية مصر العربية من جيل أكتوبر المجيد ؛ الجيل الذي سلم كامل التراب الوطني للأجيال القادمة محررا ؛ وسلم صواري راياتنا خفاقة وأي إنجاز أعظم من ذلك !!

محمد حسني مبارك رئيس بطعم عراقة التاريخ ونبل المقصد وسمو الغاية ؛ فهو من أختاره عبد الناصر من أجل تنشئة جيل من الطيارين المقاتلين عقب نكسة 1967 فنجح  وأنجز؛ وهو من أختاره الرئيس السادات قائدا للقوات الجوية في حرب التحرير فقاتل وأبهر ؛ وهو من أختاره أيضا ليتسلم الراية من جيل 23 يوليو رئيسا من جيل أكتوبر المجيد ؛ فكان همزة الوصل بين جيلين رائعين ؛ ولن يستطيع شخص ما علي مر التاريخ إغفال دوره السياسي والعسكري أو محوه ؛ أو المزايدة علي وطنيته وإخلاصه وحبه لتراب هذا الوطن ؛ بل إن إنجازاته الإقتصادية والسياسية في ربوع مصر وعلاقاته العربية العميقة ودوره في الحفاظ علي أمن الخليج ؛ ودوره الرائد في الحفاظ علي مقدرات الوطن العربي وهويته ضد قوي البغي والعدوان والأستعمار كانت سببا مباشرا في المؤامرة الكبري لمحاولة إسقاط مصر من أجل شرق أوسط جديد من خلال ما أسموه بالفوضي الخلاقة تكون مصر فيه هي الكعكة ؛ فتأمر من تأمر ؛ وخان من خان ؛ وباع من باع وبقت مصر حجر عثرة أمام كل هؤلاء ؛ وصمام أمان لأمتها العربية تؤدي دورها في الحفاظ علي وحدة هذا الوطن والزود عن مقدساته ؛ ولكن قد يتعجب البعض عندما أقول أن مبارك بحسه الوطني والذي إتخذ اولي خطوات إفساد هذه المؤامرة بتنحيه عن الحكم هو من فتح الباب للمتأمرين ؛ بل وقدم لهم الدعم عن غير قصد من خلال مماراسات سياسية خاطئة تمثلت في إصراره علي البقاء في الحكم لفترة زمنية ليست بالقصيرة ؛ وعدم إختيار الوقت الصحيح للعودة إلي صفوف الجماهير وكنت أظنه سيفعل عقب عودته من رحلته العلاجية ؛ ولا حديث عن فراغ الدولة من الكوادر فكوادر القوات المسلحة أدارت الأزمة وأخرجت مصر من محنة 25 يناير ؛ إلي جانب سياسته الخاطئة في مهادنة جماعة الأخوان المسلمين الإرهابية علي مدار ثلاثين عاما علي نحو أثار السخرية في الشارع المصري ؛ فعندما تعلن الدولة أنها الجماعة المحظورة  أو المنحلة بينما تعقد إجتماعاتها وإنتخابات مرشدها في ظل تأمين من الدولة فهذا عبث وسخف ؛ عندما يتواجد قياداتها في مكاتب الأمن المصري من أجل إبرام الصفقات والمشاركة في خداع الشارع فهذا لعب بالنار التي تحرق الوطن الآن ؛ وعندما يتغافل مبارك عن خطورة الأنفاق في سيناء ويقول لأسرائيل مقولته الشهيرة (للنفق فتحتين .. أقفلوا أنتم من عندكم) فهذا إستخفاف وعدم تقدير جيد للكارثة الأمنية من وجود هذه الأنفاق وهنا يجب أن نعترف ويعترف مبارك نفسه أنه ترك إرثا بغيضا نتحمل نحن تبعاته الآن وتحمل هو تبعاته قبلنا جراء فتح السجون وقتل متظاهري التحرير ؛ وعندما يواجه مبارك شائعات التوريث بالنفي المجرد دون إتخاذ إجراءات حاسمة بإبعاد مبعث هذه الشائعات من مماراسات وأفراد أفسدوا الحياة السياسية في مصر يكون قد ساهم في نشرها بما لا يدع مجالا للشك ؛ وعندما يترك جماعات المجتمع المدني تتلقي تمويلا أجنبيا دون رقابة ؛ بل وتتلقي تدريبا في الخارج بعلم القيادات الأمنية تحت ستار الحريات وحقوق الإنسان و الديمقراطية دون أجراء إحترازي ففي هذا عدم تقدير سليم للموقف أو قراءة جيدة للمستقبل .   

وفي النهاية يبقي هذا كله في إطار الأخطاء السياسية وإن كان أثرها مرعب وجسيم ؛ فالحقيقة أن مبارك لم يكن فاسدا أو عميلا أو متأمرا علي مقدراتنا بل كان وطنيا مخلصا ؛ وعسكريا شريفا وامينا  ؛ ولا نستطيع أن نغفل ثلاثين عاما من حكم مستنير ترك خلفه إحتياطيا دولاريا آمن لمصر في سنوات عجاف ؛ وجيشا صلبا قادرا علي عبور المحنة ؛ وقضاءا شامخا ؛ ودولة مؤسسات بحق دولة عميقة غير قابلة للإنكسار ؛ فعاملوه بالعدل لا بالقسط ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمه بحجر ...

بقي كلمات بسيطة يجب أن نستلهمها من التاريخ ؛ أن المؤسسة العسكرية مصنع الرجال ونبراس الوطنية والوفاء والأمانة هي الضامن الحقيقي لأمن الوطن وأمانه بل ورقيه وسعادته ؛ وهي مؤسسة لا تعرف الخيانة أو التأمر ؛ وأنها وهبت لهذا الوطن أنبل وأشرف الزعماء ؛ وان الأخطاء السياسية لأي من الزعماء هي محض تقديرات خاطئة وغير متعمدة فعلينا ألا نهين قياداتنا ورؤوسائنا ؛ وأن نكون موضوعيين في التقييم لنستفد من أخطاء الماضي ونعيد تشكيل الحاضر ونبني المستقبل علي اسس من الرؤي المستنيرة والقراءات الصحيحية...

أيضا علي الزعماء أن يكونوا أكثر أهتماما بالشأن الداخلي ؛ ويملكون القدر الكاف من التواصل الجيد مع جماهير الشعب ؛ ويكونوا أيضا علي قدرة ومهارة في إدارة ومتابعة مرؤوسيهم ؛ فهذا من شأنه دحض الشائعات ووأد الفتنة في مهدها . 

الرؤوساء أفراد من جموع الشعب إخترناهم ليقوموا علي إدارة شئوننا ؛ ورفع قيمة بلادنا ؛ وحماية مقدراتنا ؛ يحملون الأمانة وهي تضحية بكل رغد الحياة ومتعتها ؛ وهم في رحلة المسئولية يصيبون ويخطئون فعاملوهم بالعدل لا بالقسط ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمهم بحجر ........  
                                                          #حافظوا_علي_مصر