الخميس، 30 يوليو، 2015

يا سيادة رئيس الوزراء .... مسلسل حرائق المنشأت

يا سيادة رئيس الوزراء 
مسلسل حرائق المنشأت

هذا المقال تم نشره بتاريخ 30 من يوليو 2015 عقب حريق مصنع العبور و نعيد نشره عقب كل حريق لمنشأة حكومية أو خاصة و أرجو منكم المشاركة ؛ وأتمني علي الحكومة المصرية دراسته ......

بداية الحديث مهمة الأجهزة الرقابية بالدولة هي توفير بيئة عمل أمنة وهذا لا يتأتي بتوفير أدوات الإطفاء أو غيرها فقط لأن الوصول إلي مرحلة إحتياجها فشل ؛ ولكن النجاح الحقيقي هو محاولة منع حدوث الكوارث والحوادث بإتباع الإجراءات السليمة وهذا هو الهدف.

هل يدرك السيد وزير القوي العاملة أن مكاتب السلامة والصحة المهنية (أحد أهم أسباب ما يحيق بنا من كوارث) هي تابعة لوزارته؟

و ما زلنا بعد عامين كاملين وما شهده من حرائق متلاحقة مصرين علي معالجة أثار الحرائق لا منع الحرائق نفسها ؛ نتحدث ونتداول عن التعويضات ومن وراء الحرائق ؛ وليس لدينا سياسة حقيقية لحماية ممتلكاتنا ؛ يا سيادة رئيس الوزراء لابد أن الإدارات والإدارات العليا وأصحاب رأس المال في المنشأت شركاء متضامنين في حماية منشأتهم ففي النهاية هم يتقاضون تعويضات التأمين علي المنشأة ويبقي المواطن والدولة هم أصحاب الخسارة الجسيمة والحقيقية ؛ فماذا فعلت الحكومة المصرية من إجراءات تصحيحية عقب مسلسل حرائق المنشأت الصناعية والخدمية علي مدار عامين كاملين؟

وعلي هيئة الرقابة الإدارية مراجعة إجراءات العمل بالمكاتب الرقابية والتابعة للحكومة وذلك فيما يخص تراخيص منشأت القطاع الخاص خاصة هؤلاء الذين تسللوا بما يمتلكونه من أموال إلي مجال الصناعة في إصرار علي القيام بأعمال الإدارة والإدارة منهم ومن جهلهم وتسلطهم براء معتمدين في ذلك علي سبل الرشوة والفساد.


" عاهدت الله وعاهدت وطني العزيز صدق القول في كل ما أكتب ؛ وأمانة الطرح لرؤيتي المتواضعة في مشكلات تمس قلب الوطن فلربما تكون يوما لبنة بسيطة في بناء مصر الجديدة التي نستشعر نهضتها قيمة وقيما في ظل قيادة رائعة حكيمة ؛ ونطارد معا الفساد القابع في نفوس ضعيفة أعلت مصلحتها فوق مصلحة الوطن ؛ وتاجرت بأبنائه من البسطاء من أجل تحقيق أرباحا مادية غير شريفة المصدر .... ؛ وفي كل خندق ستجدوننا خلفكم جنودا أوفياءا ولن تكونوا وحدكم أبدا ؛ وهذا أقل القليل نقدمه لوطننا ولشعبنا الطيب المثابر ولقائد عظيم طلبناه من الله فمن الله علينا وعلي بلادنا به ".


علينا أن ندرك يقينا أن حادث حريق مصنع بم بم ومن قبله حريق العبور وما بينهما من حرائق المنشأت الصناعية والخدمية سيتكرر في مرات عديدة في ربوع جمهورية مصر العربية ؛ والأمر يرجع أسبابه لسنوات طويلة ماضية وليس وليد اليوم ؛ إن مثل هذه الحوادث الجسيمة والتي تخلف ورائها ضحايا بشرية بين أصابات ووفيات ؛ و التي تكبد الدولة خسائر مادية طائلة تؤثر مباشرة في حجم أقتصاد مصر المتنامي يقف خلفها فاعل واحد أصيل هو ثقافة تناول مفهوم السلامة والصحة المهنية (الأمن الصناعي) في منشآتنا الصناعية والخدمية وهذه الثقافة يحمل أمانتها عنصران فاعلان وهما الإدارات العليا في المنشآت والجهات الرقابية بالدولة المصرية.

الكثير من الإدارات العليا في المنشآت الصناعية أو الخدمية تنظر لعنصر السلامة والصحة المهنية نظرة متردية دافعها الفهم الخاطئ بإعتبار أنها تكلفة بدون عائد مادي ؛ لذلك فهي تلجأ إلي الإقتصاد في الإنفاق عليها قدر ما تستطيع فلا هي توفر عوامل الأمان ومتطلبات السلامة من مهمات الوقاية الجيدة أو أدوات الإطفاء المعتمدة أو التدريب المنصوص عليه قانونا للعاملين أو الأشخاص المؤهلين بدور الرقابة الداخلية والتقييم الفني من مديري وفنيي السلامة والصحة المهنية ؛ حتي أصبحت مهنة أخصائي ومدير السلامة والصحة المهنية مهنة من لا مهنة له وربما أصبحت مهنة البعض منهم الحقيقية هي حمل الأوراق القذرة لهذه المنشأت أو نوع من الرشوة لأبناء بعض العاملين بالمكاتب الإدارية الحكومية ؛ فلجان السلامة والصحة المهنية وهمية بما في ذلك إجتماعاتها ؛ وإحصائياتها الدورية مفبركة ؛ والكشف الطبي الدوري روتيني شكلي لا يمت للواقع بصلة ؛ والقياسات البيئية يشوبها كثير من العوار ؛ وخطط الطوارئ حبر علي ورق ولا يتم عمل محاكاة للتدريب والتقييم والتصحيح بمعني أنه لا بيئة عمل آمنة والخطر ينال العاملين والعملاء والزائرين ؛ بل إن كل ما تقوم به مثل هذه الإدارات العليا لا يعدو كونه إجراءات ورقية لإستيفاء المتطلبات القانونية للمنشأت دون تطبيق واقعي ومن أجل الحصول علي الشهادات الخاصة بالأيزو من باب الشكل العام أوالوصول إلي المتطلبات العالمية في مجال التصدير ؛ وتظل كل الإجراءات مجرد حبرا علي ورق ؛ فنحن لا نطبق في كثير من منشآتنا أي من متطلبات السلامة والصحة المهنية ؛ وأن الإدارات العليا لا تكاد تتذكرها إلا في حالات تجديد التراخيص أو في الحالات التي تواجه المنشآت فيها مشكلات قانونية قد تعرقل مسيرتها الإنتاجية أوالخدمية ؛ وهنا تبدأ  هذه الإدارات بالذهاب إلي الأبواب الخلفية من عوامل الرشوة والفساد ؛ وهنا علينا أن ندرك أن مستنقع الفساد هو صناعة هذه مثل الإدارات بل الأكثر خطورة أن هذه الإدارات أنجبت ما يعرف بشركات توريد العمالة (مقاولي الأفراد) حيث تقوم هذه الشركات بتوريد أفراد عمالة للنظافة و تنسيق الحدائق وغيرها من المهام الخدمية ثم يتم إستغلال هذه العمالة في أعمالا فنية في غاية الخطورة بينما تكون العقود بين الشركة ومقاولي الأفراد مجحفة بحق العمالة في كل عوامل السلامة والصحة المهنية ولا تتحمل معها الشركة المتعاقدة أي مسئولية ويحقق الطرفان ربحا ماديا من صحة وسلامة العاملين وأمنهم الإجتماعي وسلامة منشأتنا وأصولنا الثابتة وهو ما أراه في عصرنا هذا ما يسمي بالسخرة من أجل لقمة العيش.



أما عن الجهات الرقابية بالدولة فحدث ولا حرج ؛ فمكاتب السلامة والصحة المهنية تتبع وزارة القوي العاملة والهجرة ؛ وكثير من هذه المكاتب إلا من رحم ربي منها يعمل بها الكثير وليس الجميع من المرتزقة الذين يرون رأي العين كما من المخالفات الجسيمة داخل المنشآت والتي تحمل الموت والدمار بين طياتها وهم في هذا فاقوا ما نتحدث عنه يوميا من فساد المحليات ؛ فكل ما يقوم به السادة المفتشون هو تحرير محاضر صورية ثم يطلبون بعدها خروجا من المأزق أن تقدم المنشأت طلبا بمنح مهلة لتوفيق الأوضاع ويتجدد الأمر كل فترة وهو ما يرسي علاقات جيدة لهؤلاء المفتشين مع القائمين علي هذه المنشآت تحقق من البداية عائدا ماديا فاحشا أو أمتيازات عينية فيما يشبه الإتاوة (سبوبة) مع إحتفاظ السادة المفتشين من هذه الفئة الضالة بعدد من هذه المحاضر في مكاتبهم لأستخدامها حال وقوع الكوارث لتبرئة أنفسهم ؛ أو حال إخلال هذه المنشأت بتنفيذ الواجبات والإمتيازات نحو هؤلاء المفتشين وقياسا علي ذلك كافة المكاتب الإدارية الحكومية (التراخيص - الآلات - علاقات العمل - الصحة - البيئة - الغش التجاري .. إلخ).

وعلي هذا يمكن أن نقيس نمط هذه العلاقة المشينة علي بعض من العاملين بتراخيص المنشآت ؛ وأيضا بعض من العاملين بالجهات المسئولة عن حماية البيئة ؛ وكذا بعض من العاملين بالرقابة الصناعية وغيرها بل أن الكثير من المكاتب التي تمنح شهادات الأيزو بها من المراجعين من يعمل علي نفس النمط من الفساد إن لم تكن هذه المكاتب نفسها متواطئة مع المنشأت التي تمنحها هذه الشهادات.


كما أنه علينا أن نعترف بأن هذا الفساد قابع علي أنفسنا منذ عشرات السنين ؛ ولكن الأمر صار أكثر تبجحا بعد أحداث الخامس والعشرين من يناير ؛ فلا أحد يصدق أن مصنعا كمصنع العبور مثلا وغيره من المصانع التي أعرف بعضها جيدا وبهذه المساحة ليس به سوي مدخلا واحدا ؛ وإن كان غير مرخص فكيف له بترخيص ضاغط الهواء المنفجر والذي أدي إلي هذه الكارثة ومولدات الكهرباء الغير مرخصة أيضا ؛ هل فقد القائمون علي المدن الصناعية بكل أجهزتهم الرقابية البصر والبصيرة أمام هذا الكم من المخالفات ؟ وهل لم يدركوا أن هناك عوارا في قرار رئيس الوزراء (وزير قطار الصعيد المحترق) 2012 بعدم غلق المصانع المخالفة إلا إذا كانت مقلقة أو ضارة بالصحة العامة أم أن البعض أستغل هذا العوار للتربح والتبجح والإلتفاف علي القانون في متاجرة رخيصة بدماء البسطاء وأمنهم الإجتماعي ومستقبل هذا الوطن وتقدمه ؟ الأكثر مرارة أن توصي إدارات الدفاع المدني بمنح المنشآت المخالفة ترخيصا مؤقتا للعمل عام بعد عام وربما لأعوام وأري في هذا الإجراء موافقة ضمنية علي إستمرار المخالفات في مسلك غير مكترث بسلامة العاملين ؛ فهل يستقيم الأمر علي هذا النحو ؟!!!!  



أيها السادة الكارثة القادمة ستأتي من المطاعم والمصانع التي تعمل بدون تراخيص والتي تفتقد لكل عوامل الأمان والسلامة والتي إنتشرت علي نحو غير مسبوق عقب أحداث الخامس والعشرين من يناير ؛ وتذكروا قولي هذا مع كل زيارة لكم لأحد المطاعم ؛ إبحثوا بأنفسكم أيها السادة عن مناطق الخروج في حالات الكوارث وعوامل الأمان وبنظرة المواطن العادي البسيط ستستشعرون حجم الكارثة ؛ أما بنظرة المتخصص صاحب الخبرة العلمية والعملية فنحن تجاوزنا حجم الكارثة بمراحل إلي ما هو أسوأ وأسوأ (مصانع بدون تراخيص - بدون تغطية تأمينية علي العاملين إجتماعية وصحية) تحت بصر بعض العاملين بالمكاتب الرقابية الحكومية.

نحن لسنا بحاجة إلي تشديد القوانين في بلادنا بل نحن بحاجة إلي مراجعتها وتطبيقها بمنتهي الأمانة مع حذف كل ما يمنح لأي منشأة مخالفة غطاءا قانونيا للإستمرار بالعمل حال وجود مخالفات ؛ وأن يكون توقف النشاط لحين إزالة المخالفات أمرا ملزما ووجوبيا مع حماية حقوق العاملين ؛ ويبقي الأساس القويم المتين هو غرس ثقافة أن صكوك الملكية ومناصب الإدارة العليا ليس هدفها فقط تحقيق الربحية علي حساب ترشيد الإنفاق فيما يضمن أمان وسلامة العاملين والمنشآت ؛ بل أن هدفها الأصيل تحقيق بيئة عمل آمنة ؛ وأحترافية في الأداء ؛ وترشيد في إنفاقات البذخ الخاصة بها ؛ وأن تكون رشيدة حتي تتحقق الربحية المنشودة فهذا هو معيار الجودة للإدارات العليا ؛ لأن سلامة العاملين وأمن المنشأة وأصولها هي أمانة أمام الله قبل القانون ؛ وأن الإنجاز الحقيقي ليس في كم من الشهادات والإجراءات التي لا مكان لها علي أرض الواقع وإنما في التطبيق بل وجودة التطبيق وليس خداع النفس وخداع الآخر ؛ وعليهم أن يدركوا أنهم من يفتح الباب أمام الفساد والرشوة بسلوكهم مسلكا مختصرا بالإلتفاف علي القانون ؛ وإستهانتهم بما وضعت الدولة من ضوابط ومعايير قياسية لحماية المنشآت والأفراد . 

علي وزير القوي العاملة والهجرة إن كان يدرك أن السلامة والصحة المهنية تابعة لوزارته أن يضع معاييرا جادة لضمان أمانة وإحترافية أداء هذه المكاتب بعيدا عن هذا التردي وهذا القبح وهذا العفن ؛ ووضع رؤية مستنيرة واقعية لتحديد المسئوليات والآليات وكيفية التقييم لأدائها وسبل التطوير ؛ وكذا كافة الوزارات التي تمتلك أجهزة رقابية.

مكافحة الفساد مسئولية الشعب عندما لا يستجيب للإبتزاز وعندما يكون غير قابل لتجارة بيع الذمم والضمائر ؛ مسئولية الإدارات والإدارات العليا والمستثمرين ؛ مسئولية الحكومات المتعاقبة بالتقييم الدائم والتطوير المستمر ؛ ومن هنا تولد الدولة الناهضة التي نطالب بها ولتكن حادثة حريق منطقة الرويعي وما قبله من مصانع ومنشأت محترقة وملوثة للبيئة منتهكة للصحة المهنية بداية لعبور جديد نحو أداء إحترافي أهم مقوماته الأمانة والتفاني في الاداء ....

السيد رئيس مجلس الوزراء هذا ما يحدث فعلا دون مبالغة أو تهوين من واقع خبرات عملية متعددة ؛ والحل بأيدينا جميعا شعبا وحكومة  .....
#حافظوا_علي_مصر